في الأدب : الفارابي الفليسوف أم الموسيقي

دسمان نيوز – لم تكن الفلسفة بين عناصر عدة شكلت تكويني الفكري والثقافي خلال العقود الثلاثة الأولي من رحلتي مع الحياة، ولكنها خالطت هذا التكوين إبان السنوات الست الأولي في العقد الرابع من عمري، وهي الفترة التي استنفدتها للحصول علي أول درجة لدكتوراه الفلسفة، منحتها جامعة المنوفية في هندسة القوي الميكانيكية، وذلك في عام 1986م، في تلك السنوات الست … أشرق في وعيي أول مفهوم للفلسفة، والذي تمثل لي آنذاك في إدراك المغزي الطبيعي لما تعاملت معه في دراستي من ظواهر وقوانين، وذلك فضلاً عن الإلمام بالمبادئ الأولية لكل ما يتعلق بموضوع الدراسة.

الفلاسفة والعلوم الأخري

منذ أنهيت دراستي للدكتوراه، وجدت في نفسي ميلاً لمطالعة كل ما يتصل بالعلوم من مؤلفات، شملت كتباً ومقالات ودراسات، فاكتشفت أن الفلاسفة كانوا يشتغلون – عبر مختلف العصور – بعلوم كثيرة، منها: الرياضة – الفلك – الفيزياء – الطب – الكيمياء – الأدب واللاهوت، وبقول آخر … فإن الفيلسوف – في العصور السابقة – هو من استوعب علوم عصره أو معظمها، وهو ما يستشف من حديث الفيلسوف المسلم الشهير: أبو بكر الرازي (865-925م)، الذي أثبته محمد بن إسحاق النديم في المقالة العاشرة من كتاب “الفهرست” بالنص التالي:”وزعم أبو بكر الرازي وهو محمد بن زكريا أنه لا يجوز أن يصح علم الفلسفة، ولا يسمي الإنسان العالم فيلسوفاً إلا أن يصح له علم صناعة الكيمياء، فيستغني بذلك عن جميع الناس، ويكون جميعهم محتاجاُ إليه في عمله وحاله” (ابن النديم: الفهرست، جزء1، ص351)، ولما كان ابن النديم قد جعل عنوان المقالة العاشرة في كتاب “الفهرست” كما يلي:”المقالة العاشرة من كتاب الفهرست – وتحتوي علي أخبار الكيميائيين والصنعويين من الفلاسفة القدماء والمحدثين”، فإنه ساق ضمن حديثه في هذه المقالة مؤلفات جمهرة من الفلاسفة القدماء والمحدثين، مما لا ينهض بتأليفه إلا من حذق ما ذكر قبلاً من علوم، ولقد صرفت قدراً معتبراً من قراءاتي العلمية في العقدين الأخيرين من السنوات، إلي تتبع سير وآثار فلاسفة المسلمين، ممن ظهروا إبان العصر الذهبي للعلوم الإسلامية أثناء دولة العباسيين، وتشعبت إسهاماتهم الفكرية في علوم عدة، نذكر منها كلا من: الفلسفة – المنطق – الآداب – التاريخ – الطب – الرياضيات – الفلك واللغات، فهالني ما قدمه فلاسفة المسلمين من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن عربي من بدائع إسهاماتهم الفكرية في كل ما شاع بعصرهم من علوم، إلا أن أكثر ما استوقفني في تراث أولئك النجوم من فلاسفة المسلمين، فضلاً عن الموسوعية الواضحة في إسهاماتهم، تمثل في إسهام ثلاثة منهم في تنظير الموسيقي العربية والكتابة عنها، وهم – وتبعاً للسياق التاريخي لظهورهم – أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي (186هـ / 801م – 251هـ / 865م)، وأبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي (260هـ/874م – 339هـ /950م) وأبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا الملقب بالشيخ الرئيس (370هـ /980م – 428هـ / 1037م)، لقد تميز الثلاثة عمن سواهم من فلاسفة المسلمين بالكتابة عن الموسيقي، وكان ذلك إعمالاً لمبدأ أن الموسيقي تعد أحد فروع الرياضيات، إلا أن الفارابي فاق الجميع – وبما تنبئ به آثاره الموسيقية-بإنجازاته التي تشي بحذق لا يكتسب إلا بالممارسة، لذا سوف تستعرض هذه المقالة سيرة الفارابي وإنجازاته في علميّ الفلسفة والموسيقي، وذلك بغية الإجابة علي السؤال / العنوان الذي يتوج هذه المقالة.

سيرة مختصرة

ولد أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلع – المعروف بالفارابي- في بلدة وسيج من مقاطعة فاراب (علي نهر جيجون) في خراسان، وخراسان بلاد قديمة في آسيا، وتمثلها الآن إيران الشرقية الشمالية وأفغانستان الشمالية ومقاطعة تركمانيا السوفيتية (د. فاطمة محجوب: الموسوعة الذهبية للعلوم الإسلامية، جزء 15، ص 382-383)، وقد لقب بالفارابي نسبة إلي مقاطعة فاراب، التي شهدت مولده وسنوات صباه، وقد انفرد كل من الحافظ شمس الدين الذهبي وموفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس السعدي الخزرجي المعروف بابن أبي أصيبعة، بين من ترجموا للفارابي بإثبات اسم (أوزلع) لجدّ والده (شمس الدين الذهبي: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، جزء 9، ص 480-481 وابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، جزء 4، ص13)، تلقي الفتي محمد – الذي عرف بالفارابي – تعليمه الأولي في فاراب، حيث توسم فيه والده – الذي كان قائداً عسكرياً – مخايل النجابة وعلامات الذكاء، فأرسله إلي بغداد كي يتعلم في مدارسها وعلي أيدي علمائها، وقد كانت بغداد آنذاك حاضرة دولة الإسلام ومنارة العلم، أقبل إليها العلماء لدراسة ما نقله الخلفاء العباسيون من علوم الهند وفارس واليونان في مختلف فروع العلم، من فلسفة وأدب وطب ورياضيات وفلك، هذا وقد وصف الحافظ شمس الدين الذهبي رحلة الفاربي مع دراسة العلم فقال:”قدم أبو نصر بغداد، فأتقن بها اللغة، وأدرك بها متي بن يوسف الفيلسوف المنطقي، فأخذ عنه، وسار إلي حران، فلزم يوحنا بن جيلان النصراني، فأخذ عنه، وسار إلي دمشق وإلي مصر، ثم رجع إلي دمشق، وكان مفرطاً في الذكاء (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص ص 13-15).

هناك من المصادر التاريخية ما يقول بأن الفارابي كان مولعاً بالأسفار منذ صباه، وأنه غادر موطن أسرته في فاراب متنقلاً من بلد إلي بلد، حتي دخل بغداد، حيث تلقي ببغداد مبادئ الفلسفة علي أستاذ مسيحي يدعي يوحنا بن جيلان، وجاء في “عيون الأنباء في طبقات الأطباء” عما تعلمه الفارابي علي يد يوحنا بن جيلان الآتي:”وقال القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد في كتاب (التعريف بطبقات الأمم)، أن الفارابي أخذ صناعة المنطق عن يوحنا بن جيلان، المتوفي بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبذ جميع أهل الإسلام فيها، وأربي عليهم في التحقق بها” (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص18)، وقد زامل الفارابي أثناء دراسته لدي ذلك الأستاذ أبو البشر متي بن يونس، وكان أبو البشر متي بن يونس من المشتغلين بترجمة كتب أرسطو، مما يسر للفارابي فضلاُ عن الإطلاع علي عدة كتب لأرسطو مثل “المقولات” و”العبارة” و”القياس” أن يتعلم اللغة اليونانية، ومن ثم إتقان عدة لغات أخري، حتي قيل أنه تعلم جميع اللغات الحية، والتي يزعم البعض أنها أكثر من سبعين لغة، ولكن الأمر المؤكد في شأن ما تعلم من لغات، وهو ما قال به الدكتور محمد لطفي جمعة في الفصل الذي أفرده للفارابي في كتاب”تاريخ فلاسفة الإسلام”، أن الفارابي أتقن علي الأقل خمس لغات هي العربية والفارسية والتركية واليونانية والسريانية، مما فتح أمام مداركه المجنحة آفاقاً رحبة للتعلم والإبداع، وقد حفلت المصادر التاريخية بالإشارات المؤكدة لدأبه في تحصيل العلم، فقد تميز عن أقرانه بكونه لا يقنع بأستاذ واحد، حتي قيل أنه:”كان يجتمع بأبي بكر بن السراج، فيقرأ عليه صناعة النحو، وابن السراج يقرأ عليه صناعة المنطق” (د. محمد لطفي جمعة: تاريخ فلاسفة الإسلام، ص15)، لقد أثمر إقباله علي العلم في محطة إقامته الأولي ببغداد، في ذيوع شهرته بين أوساط متعلميها ومثقفيها، فأقبل الطلاب علي دروسه، يتزودون فيها من فيض علمه، الذي وصفه ابن أبي أصيبعة بقوله:”وكان – رحمه الله تعالي (الضمير عائد للفارابي) – فيلسوفاً كاملاً، وإماماً فاضلاً، قد أتقن العلوم وبرع في العلوم الرياضية، زكي النفس، قوي الذكاء، متجنباً عن الدنيا، مقتنعاً بها بما يقوم بأوده، يسير سيرة الفلاسفة المتقدمين، وكانت له قوة في صناعة الطب، وعلم بالأمور الكلية منها، ولم يباشر أعمالها، ولا حلول جزئياتها” (ابن أبي أصيبعة: المرجع السابق، ص13).

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.