أدب .. أبيض / أسود رحلة إلي جنوب أفريقيا

دسمان نيوز – كان حلما بعيدا يراودني أن أسافر إلي أفريقيا السوداء، قارتنا التي لا نعرف عنها شيئاً يذكر، كما أردت أيضا أن أزور كولومبيا بلد ماركيز والأرجنتين بلد مارادونا، والبرازيل بلد الرقص في الشوارع، والهند بلد أقصي الألوان والتوابل والمعابد والفقر. كل البلاد كانت مغوية آنها، السفر ذاته كان نداء ملحا، بل إن الهجرة كانت ضمن أحلامي للمستقبل. كنت أبحث عن أبعد مكان ممكن لأكبر فيه.

فيما بعد أنجزت بعض السفرات ولكن تبقت أفريقيا في آخر جدول الأحلام حتي هذا الصيف، صيف ٢٠١٨.
كأنها كانت خطة محكمة أن تزامن عام سفري ٢٠١٨ إلي جنوب أفريقيا مع توقيت احتفالها بذكري مائة عام علي ميلاد مانديلا.

الروائح مفاتيحي، ثلاثون عاما من التدخين لم تحجب قدرتي علي التدقيق والتمحيص والتفريق والاسترشاد ومتعة الاستنشاق، لازلت أفتخر بحساسية أنفي للروائح والخطر، غير أن غلالة من الدخان هي التي تشوش أحيانا صفاء الجو، لكنها لم تمنع موهبة أنفي قط.
منذ أسبوع تغزو أنفي رائحة قوية مثابرة، رائحة أعرفها، رائحة السكر في الهواء، تأتي من الذاكرة البعيدة وإفطار الإجازات في بيت جدي، الفطير »المشلتت»‬ بالعسل الأسود. نعم، هي رائحة العسل الأسود مخلوطة بعطر الأكاسيا وزهرة صبارة المارلوتي وجريان نهر التمساح.
أتأمل لافتات الطريق في الظلمة لننتبه معاً أنا وزوجي، هو الواقع تحت ضغط مزدوج ما بين العتمة والقيادة علي الطريقة الإنجليزية، ما نسميه نحن بكل غرور »‬بيسوقوا بالمشقلب». أتفاجأ بخط النار، منيرا، عريضا في الأفق، علي امتداد الغيط هناك. توجس قليل يثير فضولي، ليس هذا هو الحريق الأول الذي ألاحظه في هذا البلد.
سألت أصدقائي، أنا ضيفتهم في جنوب أفريقيا، أسكن بيتهم في منتجع مارلوتي بالمنطقة الشمالية الشرقية، بالتحديد في مقاطعة Mpumalanga مبومالانجا التي تلامس حدودها موزمبيق وسوازيلاند والحدود الجنوبية لمحمية الكروجر، حيث يفصلنا سُوَر من الأسلاك الخفيفة عن نهر التمساح.
يضرم أصحاب المزارع النار بحقول القصب. يحرقونه في غيطانه، يحرقون أوراقه علي الملأ هكذا، بلا خوف، وتتركز العصارة الحلوة به وتنحني العيدان أرضا، فتأتي الجرارات وعربات النقل لتحمله إلي المصانع.
كيف لا يخافون الحرائق؟ من أي قلب أتوا بهذا التعالي علي النار والثقة في قدرتهم السيطرة عليها، لابد أنهم حفظوا »‬تعويذة الحماية »‬ من أجدادهم و أجادوا »‬صرف العفريت».

بموسم الحصاد، يؤجر ملاك الحقول البيض عمالا زراعيين، السكان الأصليين، يحاوطون الغيط المشتعل بأجسادهم، ويشهرون فؤوسهم، وعندما تخرج النار عن الحد المسموح به يضربونها أرضا. تقنية قديمة للغاية، مؤكد أن ضحاياها كثر، صمدت أمام الزراعة الحديثة التي تغزو السافانا هنا، مؤكد أيضا أن ثمن حياة هؤلاء أرخص من أي اختراع أو وسيلة أخري لحصد السكر. حقول أخري وبقايا حشائش تلمحها سوداء متفحمة، إنهم يحرقون الأرض لكي تتطهر.
علي الطريق العريض المعبد المسفلت المؤدي إلي أقرب المدن كوماتي بورت تري حقولا علي امتداد البصر، فلولا أشجار الأكاسيا التي تنتهي قممها بخط أفقي كبصمة بصرية أفريقية ترسم حدودها علي الأفق ، لكنت تخيلت أنني في الغرب الأوسط الأمريكي، حيث المزارع الشاسعة والميكنة والمسافات المحسوبة هندسيا بين المحاصيل، تماما كالقصب والموز وأشجار البرتقال هذه.
تغرب الشمس الحمراء متسللة من خلف سحابات شتاء يوليو المبعثرة في السماء، سماء تبدو أكبر من التي أعرفها وسحابات كأنها مجاميع من الكومبارس يتحركون علي مسرح الطبيعة، يكسرون الضوء إلي ألوانه الأولي. ألوان ملتهبة وغير ملتهبة تقاوم تردد قدوم الليل، ألوان تغزو الأعالي والأفق حتي تستقر الرماديات الداكنة علي مهل شرقا. الحمرة تغزو كل شيء، النهر والطمي والوجوه والأشجار والحشائش الجافة وأنا، كأنه فعل اغتصاب السماء للكرة الأرضية.
نعم الطبيعة لها وطأة وسطوة هنا، أفريقيا السوداء، الأم أفريقيا، المسميات مستهلكة، كليشيهات اختصرت القارة في تألق وخصوبة طبيعتها فقط، لكنها مسميات لها أصل وسحر. سحر جعل المستعمر يظن أنه مروضها والعقل الفاعل بها.
يتجاور في هذا البلد الطابع الأنجلوساكسوني مع الأصل الأفريقي، ويتباعد الفقر عن الثروة بشكل سافر، تري الميكنة بجانب استواء القصب بالحرق علي الطريقة القديمة، الجرارات وعربات النقل الحديثة وعمال زراعيون يستوقفون السيارات المارة بالأوتوستوب بعد يوم عمل شاق لأن المواصلات معدومة حول الحقول ، كأنهم مجندون ريفيون بالجيش تركوا علي قارعة طريق مجهول »‬ليتصرفوا».

بالسوبر ماركت، تقع عيني علي رجل أبيض، يرتدي شورتاً في فصل الشتاء، قدماه حافيتان رغم »‬هندمة» ونظافة ملابسه فلا شبهة فقر بهذا الرجل!
نحتسي قهوة الصباح وننتظر »‬الرزق»، سيحضر قرد أم نسناس؟ غزال إمبالا أم كودو (نوع من الغزلان الكبيرة)؟ أم أن زرافة أنيقة سوف تلقي نظرة علينا من منظور عين طائر. نحن ضيوفهم هنا ضيوف فضوليون مستعمرون. لا، لسنا بهذا السوء، لسنا طامعين، فنحن نعد لهم عشاء كل يوم، نشتري ثمار الباباي و الموز والتبن ونلقي به أمام البيت لكل عابر.
عند اقتراب انتهاء الْيَوْمَ، ما قبل الغروب، يزداد نشاط الحيوانات، يبدو أنها لحظة البحث عن آخر الزاد فتتجرأ أكثر من العادة وتقترب، ربما أدركت أننا حيوانات صديقة.
القوانين هنا صارمة بشدة، لا تسمح لنفوس الصيادين بالانتشاء. كما أن السكان يعينون أنفسهم مراقبين لأي هفوة أو شر قد يساور أحدهم. في مارلوتي فقط نستطيع أن نطعم جيراننا بحرية أما داخل حدود محمية الكروجر الرسمية لا يسمح لأي سائح إطعام حيوان.
لا يسكن الجنس الأسود هنا، يأتون للخدمة في البيوت فقط أو لتشييدها بناء علي رغبات ملاك جدد، يبنون بيوتاً بأسقف أفريقية، مستوحاة من طراز الأكواخ في زمن ما قبل الاستعمار، وأعمدة خشبية ترتفع للسماء لتشكل مخروطا عملاقا يتم تغطيته بطبقة من القش السميكة و يعلو قمته طين الأرض الأحمر القاني. فيكتمل بيت الإجازات الجميل ليسكنه مالك من الـ »‬البوير» الذي سيطر أجداده الهولنديون علي هذه المنطقة قديما من قبل حروبهم مع الإنجليز علي المستعمرة.
هم فلاحون فقراء في الأصل، لا تخطئهم عين، لا يمكن أن يلتبس عليك أحدهم مع سائح أوروبي، يركبون في معظم الأحيان سيارات الدفع الرباعي رغم أن الأرض معبدة تماما لأي سيارة عادية، يتحركون كعائلات منصهرة، طوال القامة، معظمهم ضخام الأجسام، كالأمريكيين والألمان والشعوب الغنية. قياسات ملابسهم كبيرة بشكل لافت في المحلات تصل إلي ال(((L. حتي إننا واجهنا صعوبة في شراء تي شيرت للذكري علي قياس زوجي الذي يجاهد الْيَوْمَ للتخلص مما تراكم من أطايب المأكولات الأفريقية بجسده.

أهو شعب لاحم بشكل خاص؟ تبدو مظاهر ثقافة الشواء في كل مكان. عندما تتوقف في متجر ملحق بمحطة بنزين بحثا عن زجاجة ماء أو مكان لقضاء الحاجة، متجر للعصائر والشوكولاتة والمحمصات، ستجد بجانب كل هذا أكياس الفحم وأدوات الإمساك باللحم الساخن وشوايات للاستخدام مرة واحدة فقط. علي يسار المقرمشات ستلاحظ أكياسا معلقة بها قطع صغيرة من القديد المبهر، يسمي بولتونج. تشتهر به جنوب أفريقيا. ففي بلد أسعاره عالمية، تباع اللحوم بأنواعها بنصف أسعار أوروبا أو ما يقل. لكن نصف أسعار أوروبا قد لا تناسب الكثيرين هنا، فإذا تبضعت بأسواق هؤلاء الكثيرين، ستجد الثلاجات مليئة بأرجل الدجاجات يليها لحم الخنزير لحم الفقراء في معظم الدول عموما.

مرة أخري يصادفني طفل بصحبة رجل بالغ، من تشابه ملامحهما يبدو أنه أبوه، يلبسان »‬الشورت» مع حفاء الأقدام أيضا، تماما كالرجل الذي لمحته في السوبر ماركت وجاهدت نفسي لأحرف نظرتي عنه، من باب الذوق والتربية القويمة، كأنني ضبطته عاريا. لا ترتبط هذه العادة بأي حال من الأحوال بالمستوي الاجتماعي، فالرجل الحافي الذي يلبس شورتاً في شتاء جنوب أفريقيا والذي بدا لي مظهره عبثيا بعض الشيء أطلق خيالي لمحاولة تفسير هذا، فأنا بالفعل لا أعرف من أي مصدر جاء هذا التقليد. قد يكون تقليدا أو سلوكا مرتبطا بالفلاحة القديمة أوما يُسميه أبناء المدن احتقارا »‬جلافة فلاحين». لكنهم الْيَوْمَ أبعد ما يكونون عن الفلاحة، هم أسياد الأرض والاقتصاد والصناعة والمال والذهب والطاقة النووية.

فعندما استقبلني هذا البلد، وكنت ما أزال علي الطريق الواصل من مطار جوهانسبرغ إلي بيت الأصدقاء، رأيت البخار الكثيف يخرج من الفوهات العملاقة للمفاعل النووي الأول قبل أن يظهر التالي عليه، فسقطت بقلبي القبضة التي أعرفها كلما رأيت هذا البخار، البخار الناتج عن عملية التبريد، تبريد الجحيم المدمر المصنوع بإرادة وقصد الإنسان.
جنوب أفريقيا بلد من العالم الأول استقر في أقصي جنوب القارة السوداء، يحتضنه محيطان عند التقائهما، بلد يتكلم إحدي عشرة لغة، ويسكنه واحد وخمسون مليون إنسان، تسعة بالمائة، منهم لهم بشرة بيضاء وعشرة بالمائة آسيويون، أغلبهم هنود، أما السواد الأعظم فيمثل واحداً وثمانين بالمائة.

الكروجر بارك هي كبري المحميات الطبيعية في أفريقيا، تعادل مساحتها أقل قليلا من أربع مرات مساحة بحيرة ناصر كبري البحيرات الصناعية في العالم، فيها أشكال وألوان من حياة البرية، بين حيوانات عاشبة وأخري لاحمة وما بينهما، كائنات نهارية وليلية وتحت أرضية، ممالك للحيوان والحشرات والنباتات لا تحصي. ورغم هذا التنوع فالظاهر منه هو محض صدفة خالصة. يمكنك أن تري ال pangolin البنغول القشري في أول يوم تزور فيه المحمية ويمكن أن تعيش سنوات بل حياة كاملة في المنطقة دون أن تكافئك الاحتمالات بنظرة إلي هذا الكائن المدهش، آكل النمل المتسلل ليلا، والمهدد بالانقراض.
أما زائر مثلي، لا عين له خضعت لتدريب الرؤية وحدس البصيرة، فسوف يري الفتات دون مساعدة صديق أو متخصص. أعبر بجانب حفرة كبيرة تتناثر علي حدودها أكوام صغيرة من الطين اللدن دون أدني انتباه، يستوقفنا حارس المحمية ليفك الشفرة ويشرح أن هذا الطين هو فضلات ذكر خرتيت يحدد نفوذه علي جسد مملكته، وبعد دقائق قليلة رأيت الخرتيتة الأم والطفل بذيلها يتجولان.

ما يبدو كومة طين جافة ترتفع عن سطح الأرض بمتر أو نصفه أو أكثر أو أقل، ما هو الا بيت للنمل، بيت نسجته النملات البيضاء من لعابها المخلوط بالتراب، إسمنت طبيعي، شديد الصلابة، طابق فوق طابق تشغله البناءات بصبر أيوب وتكمل البناية الحمراء الطوبية، فأتخيل غرفها الداخلية وممرات الحركة بها، كل هذا سيظل خفيا علي إلا إذا حالفني الحظ وصادفت البناية مهدمة.

أقول إنها الصدف السعيدة، لا ليست الصدف السعيدة فقط ما تجعلك تري، إنه تعلم الرؤية. سأستعين إذن بخبرة الخبراء وأشحذ استنفار ما بي، لأبصر. لعل أجمل الهدايا التي يمنحها السفر للمسافر هو هذا الاستنفار للحواس والعقل، هذا الجديد الذي يثير الفضول ويجدد الدهشة.

غزالات الإمبالا في كل مكان
أعلي ظهرها لون طحيني دافيء، أعلي بطنها أفتح قليلا وأسفل بطنها أبيض، خلف كعبيها خطان أسودان كسهمين موجهين لأعلي مؤخرتها يشيران لعانتها، أيكون هذا هو الإغواء؟ لكن ذكر الإمبالا أجمل منها بشكل لافت! من منهما يغوي الآخر يا تري؟ يختال بقرونه الحلزونية الطويلة، ويحكم الحماية علي إناثه، فتراه يراقب وهن يأكلن أوراق الأشجار بهدوء.

أبهرتنا جميعا غزالات الإمبالا أول الأمر، ولكن بمرور الوقت وكثرة مشاهدتها، لاحظت أننا لا نعيرها اهتمامنا الأول، أهملنا كل هذا الجمال هكذا ببساطة، فقط لأنه متوفر كالزجاج، ليس ماسا مختبئاً في منجم، الأول رمل والثاني فحم في الأصل، لكن الندرة هي القيمة الحقيقية لفحم الماس، القيمة التي تدخل الأسواق والأمزجة و تباع لأحلام السيدات الوثيرات.

وللماس قصة أخري في جنوب أفريقيا، فلو كان له صوت وروي حكايته ربما ارتعبنا منها وخلناه شؤما أو تميمة للموت. هوت مناجمه علي رؤوس مستخرجيه وجلب لهم الفقر والاستعمار، وأشعل مذابح أكبر من أن يخفيها سجل التاريخ الرسمي.
بدأت القصة في ديسمبر 1866 عندما عثر الصبي إيراسموس جاكوبس البالغ من العمر خمسة عشر عامًا علي صخرة شفافة في مزرعة والده ، علي الضفة الجنوبية للنهر البرتقالي، Orange کiver. وفِي حسبة سنوات قليلة كانت مناجم جنوب أفريقيا تنتج أكثر مما أنتجته الهند في ألفي سنة بحسب الموقع الرسمي لمتحف الألماس في كيب تاون.
الماس، الذهب، اليورانيوم، النحاس، ثروات وافرة لم تجلب سوي الألم والفقر والحروب لسكان البلاد كلعنة اكتشاف البترول في منطقتنا.
بعد استراحة الغذاء التي تحدد إدارة المحمية نقاطا محددة للتوقف عندها، تتحرك السيارة ببطء ونفتح عيونا نهمة لرؤية أول حيوان سوف يكشف عن نفسه، فيصيح ابني: فيييل!!، وأصيح أنا، فيلان !!، فإذا بقطيع أفيال كامل علي يسار ويمين طريقنا، فيقود زوجي السيارة لل »‬خلف در» احتراما وربما توجسا أيضا، إذ لا يوجد عاقل يمكن أن يقف عائقا في طريق الأفيال. فلا طير أبابيل هنا تدافع عنا.
يقولون: إن رأيت أسدا أمامك فتأكد أنك في نفس اللحظة لا تري الثلاثة أسود الأخرين الذين يحكمون عليك الحصار، إنك في المصيدة .. أصبحت طبق يومهم. هذا إن كنت مترجلا أما إن كنت محميا داخل سيارة وتبحث بكامل إرادتك عن الوحوش، أؤكد لك أن المتوحشين لا يشاهدون بسهولة، لقد حالفنا الحظ برؤيته مرة، فهذا، ما يسميه الإنجليز شيتا، لم يكن بعيدا عنا، كان علي مسافة مناسبة لرؤية تفاصيله بالنظارة المعظمة، أما جائزتنا الكبري لاحت عندما فجأة توقفت أول سيارة فإذا برتل السيارات يقف، الواحدة تلو الأخري. إنه هو بالفعل، ملك الغابة.

لا يشبه في شيء أشلاء إخوانه الأسود الذين يقضون سنوات العمر وراء قضبان حديقة حيوان الجيزة، هو ملك، يختال ملكا ونظرته الكسولة نظرة ملك وله ثقة ملك وعضلات نافرة وجدت مساحات رحبة لتنمو وتشتد وتتسلق وتتصلب وتشكل جسدا حرا.
حرا من سوط محمد الحلو ، مدرب الأسود بالسيرك القومي الذي قتله الأسد سلطان علي مرأي من جمهوره في أواسط سبعينيات القاهرة. خيمت هذه القصة علي الفضاء العام آنذاك وعلي يوسف ادريس خاصة، فكتب عنها قصة قصيرة »‬أنا سلطان قانون الوجود» مستخدما الرمز للبوح السياسي، كما خيمت، أيضا، علي طفلة تزور مع خالها الشاب حديقة الحيوان، مفعمة بدراما الدم والخيانة والندم، تنظر إلي سلطان المتهم بجريمة قتل، محبوسا مستكينا للاكتئاب وللهزيمة، أهذا ملك الغابة؟!
قتل مدربه في لحظة غضب ندم عليها كما يقولون أم أنه قد سئم من كونه المهرج الذي يقفز في دائرة اللهب فيصفق الجمهور، من إشارات الحلو الموجهة بالسوط واستعراض سطوته علي جسد سلطان، سئم حتي غرز مخالبه في كل هذا الصخب ليعطله.
وفِي صباح ما، عندما فتح الحارس (الكلاف) باب القفص، وجده منزويا ميتا كأي منتحر في زنزانة أصابه الهبوط الحاد بالدورة الدموية. هكذا صمم الإعلام قصة سلطان الأسد.
عودة إلي مارلوت بارك حيث الـ »‬بوش بيبي» أو »‬قرد الآي آي» يؤنسنا كل ليلة ونحن نجلس بحديقة البيت، متحلقين حول الطاولة الخشبية لتناول العشاء علي ضوء لمبة »‬الجاز» ورطوبة الليل. البوش بيبي هو أحد فروع الشجرة التي انتهت إلينا، لكنه حيوان خاص، عزل في رحلة التطور الداروينية في جزيرة مدغشقر عندما انشق البحر واحتالت الأرض إلي قارتين. تطور سلسال أجداده القردة إلي هذا الكائن دقيق الملامح والجسد واسع العينين بضراوة، ليلي الهوي، قليل الثقة، سريع القفز. يقفز كبرغوت عصبي ليلتقط قطع الموز الصغيرة التي وضعتها ابنتي علي سطح مائدتنا؛ ستون سم فقط تفصلني عنه، أنظر إليه، ينظر إلي، ونتواجه كأي كائنين يحسبان تصرفهما التالي حيال الآخر، مرتكنين إلي مجسات الخطر الغريزي. فأتذكر كم أنا حـيوان أصلي نسـيت نفسي في غابة الأسـمنت هـناك حـيث »‬التمدن والحضارة» !

تزورنا أيضا الخنازير البرية القبيحة بفعل الطبيعة. مساكين هؤلاء الذين وقعوا ضحايا لعشوائية صدفها، لا تعدل الطبيعة في تجلياتها للأسف، بل أحيانا تمعن في ظلمها وتبدع قبحا صافيا: ضبع سمج أكبر طموحه أكل الجيفة، انتهازية عُقاب يحوم علي الحافة ريثما يموت المحتضر، تضارب نسب جسد طائر لقلق لص يبدو منقاره كبيرا كأنه حذاء رجل بالغ في قدم طفل، مساكين هؤلاء، لم تسعدهم الطبيعة بأي جمال، لكن القبح لا يحدد نجاح النوع في الاستمرار والتوسع علي الأرض. فالبقاء للأقوي دائما وإن كان قبيحا.
بضم ظبي النو إلي الخنزير البري والعقاب وطائر اللقلق والضباع، ستكتمل مجموعة القباح الخمسة the ugly five الذين تجد صورهم مطبوعة علي التيشرتات المتداولة في المحلات، كطرفة سياحية.

وإن أضفنا لهم الثعابين والتماسيح والنباتات آكلة اللحوم وهراوات الشرطة وإطارات السيارات والموتوسيكلات المحروقة علي المتاريس، سنكون قد كونا مجموعة أوسع من المفردات البصرية والرموز التي استخدمها الفن التشكيلي الجنوب أفريقي علي الحوائط واللوحات، منذ انتفاضة سويتو ١٩٧٦ وخلال حقبة الثمانينيات. ففي الوقت الذي كانت الرقابة محكمة علي الكتب والجرائد، كانت الجداريات والستانسل المرشوش خلسة ليلا يحتل الفراغ العام ويحفر طريقا واثقا إلي المتلقي للتواصل والمقاومة معا.
هوامش

– سويتو: الحي الذي سكنه نيلسون مانديللا وعزل فيه السود في جوهانسبرج
– ثورة سويتو في 16 يونيو عام 1976, استمرت نحو ستة أشهر كانت مرحلة تاريخية في حياة جيل كافح ضد حكم الاقلية البيضاء في جنوب أفريقيا آنذاك وامتدت شرارتها إلي كافة أنحاء جنوب أفريقيا مخلفة ما بين 500 و600 قتيل شاب.

ثمانينات جنوب افريقيا اختلفت كثيرا عنها في القاهرة، فلم يكن أحد يحط من شأن الفن إن ارتبط بالسياسة، ولا وُجد مثقفو »‬قهاوي» يدافعون عن نظريات القرن التاسع عشر القديمة للغاية ويمجدون الفن للفن وهم يشربون الـ »‬رويبوس» وهو المشروب الشعبي الذي يضاهي الشاي في مصر. باختصار لم يتمتع مثقفو ولا فنانو جنوب افريقيا بهكذا رفاهية للخوض في نقاشات شبيهة. كان الفن منخرطا في معمعة السياسة والحياة حتي الأنف والرئتين.
ففي بلد يتم فيه حظر التجمعات الجماهيرية والممارسة السياسية وتشديد الرقابة علي الفن والأدب والصحافة والحياة ، سبق »‬فن الشارع» الكلمة المكتوبة. فالمشهد الحضري يقدم أسطحا عديدة كلافتات الإعلانات والدعاية والمباني العامة، مساحات جذابة للغاية للاعتداء عليها تحت غطاء الليل وإخضاعها بالرسم لمساحة للتواصل و للتضامن والمقاومة، فانتشرت »‬عصابات الفنانين» guerilla artist الذين هاجموا الحيطان بالألوان واللفظ والخط والصورة والملصق.

الأبارتايد
كذب أن الفصل العنصري انتهي رغم ابتسامة مانديلا الساحرة علي أوراق النقد المحلي، الروند. كل ما تغير هو التعبير المفرط عن هذا التمييز. كنت أتجول بالسوق الشعبي الأسود أول أمس، في مدينة كوماتي بورت الصغيرة الأقرب إلي الحدود الموزبيقية، لا يختلط السكان في الأسواق هنا، البيض لا يشترون نفس بضائع الشعب الأسود، تماما كمحلات الماركات العالمية للأزياء بسيتي ستارز أو مول العرب وفرشات الملابس المستخدمة في وكالة البلح لا تختلطان، فلا مبرر للألوان أن تمتزج.

بائعات البطاطس والباباي والأفوكادو والطماطم والبصل يفترشن الطرق والساحة الرئيسيّة، بجانبهن الرجال يبيعون من فوق عربات نصف النقل »‬البيك أب». يأتي الموزمبيقيون إلي هنا لشراء البضائع رخيصة الثمن ويعودون بها، من أجل التجارة أو الاستهلاك. أما علي النقطة الحدودية فتراهم ينتظمون في طابور بحثا عن عمل في البلد الجار الأغني، بالطبع هم العمالة الأرخص لأنها عمالة غير مدربة، وبلا أوراق رسمية تحميها.

علي الجهة المقابلة من الشارع ألمح الجزء العلوي من سيارة قديمة، مزروعة في الأرض، بجانب الرصيف، أمام متجر الكحول، لم أستطع أن أتبين موديلها، مكتوب علي زجاجها الخلفي. »‬الأسود مثار للريبة دائما»، تصاحب العبارة صورة لوجه شيطان أسود بقرنين.
أتكون رغبة الذاكرة الجمعية في البقاء هي التي دفنت تلك السيارة القديمة هنا وحولتها لعمل فني معاصر؟ أم أن الأزمة لازالت حاضرة؟

لم أصادف عاملا أبيض في مدة شهر قضيته في جنوب افريقيا، بين الشمال والشرق، لا بائع في محل ولا نادل في حانة أو جارسون في مطعم أو عامل يصلح طريق أو جامع قمامة أو سيدة بيضاء تجلس علي مقعد الدفع (الكيس) في سوبر ماركت، لا يوجد. كلهم من الشعب الأسود. البيض يملكون والسود يعملون إن أردنا اختصار الأمور دون استثناءاتها، شعبان يعيشان بالتوازي ، السكن والمتاجر والبارات والمطاعم والجغرافيا كله بالتوازي، والتاريخ الذي تقاطع يوما بينهما تؤكد مجازره هذا التوازي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.