يوميات فيتولد غومبروفيتش: النصب الرائع للنثر البولندي!

أعتبر »اليوميات»‬ لغومبروفيتش من أهم أعمال الكتابة البولندية طوال تاريخها. هذا النوع من صوغ الكلام الذي يكاد ينتمي إلي أسلوب المعلقين الرياضيين، عادة ما يكون خطيراً في علاقته بالفن، أو في أحسن الأحوال غير مثمر. إلا أنني عندما أفكر في »‬اليوميات»، فإن هذا التقدير الحاسم يفرض نفسه عليّ منذ سنوات عديدة كشيء واضح وضروري لفهمها. لن أجرؤ علي اختيار العمل الأهم للشعر البولندي: أري الكثير من الأعمال العظيمة، لا واحد منها يطغي علي الآخر ولا يبرز بشكل ظاهر للمركز الأول. وأيضاً لن أكون قادرا علي أن أشير إلي أهم الأعمال في مدارس الأدب ذات النثر القوي: الفرنسية، الإنجليزية، الألمانية أو الروسية. لكنني سأحاول بأقصي ما يمكنني أن أشرح حكمي عن مكانة »‬اليوميات».

>>>

فيتولد غومبروفيتش الذي ولد سنة 1904، نضج جسدياً وعقلياً في أواخر الحرب العالمية الأولي وفي السنوات الأولي من الاستقلال. في ذلك الوقت تشكل أسلوبه، ورؤيته للعالم، ولنفسه ولغته. كانت هذه سنوات التحول، ليس فقط في الأدب في المقام الأول. ظهرت بولندا علي الخريطة السياسية بعد أكثر من قرن من اختفائها، صغيرة وكبيرة في السن، بتقاليدها وبغياب للجذور. أنشئت المؤسسات التي من شأنها مواجهة الوضع الجديد. نُظِر إلي الماضي بتفحص، لكنه كان المصدر الأساسي للأشكال.

وجد الأدب البولندي نفسه في وضع جديد. في القرن التاسع عشر تم إبداع أهم أعماله في المنفي، ليس فقط من الناحية الفكرية، ولكن أيضاً من حيث الشكل. تم تشكيل الصوت البولندي في الخارج لأكثر من مائة سنة. وأحدث أدب المهجر العظيم احتجاجاً وطنياً، احتجاجاً لمجتمع مُستعبد من قبل الآخرين. وبدا أن هذا الدور انتهي باستعادة الاستقلال.

سعي الناس في الواقع الجديد إلي أشكال جديدة وأسلوب جديد يمكنه أن يواجه التحدي الذي يجابه الثقافة. في الأراضي البولندية كان التشابك بين القديم والجديد معقداً في سنوات الحرب. وراء الجدار الحدودي، علي كلا الجانبين، في الشرق والغرب، اهتاجت الشموليات، الحمراء والبنية، تدمر فردية الإنسان وتفرض صوتاً جماعياً. فتنت القوة الحديدية الكثيرين. تخلوا عن حريتهم مقابل المشاركة في الطقوس الجماعية. وتخلوا عن صوتهم المناضل ضد الصعوبات التي ولدت للتو في مقابل المشاركة في هذه الجوقة الجماعية.

صارع فيتولد غومبروفيتش منذ سنواته المبكرة ضد مسألة الشكل. اهتم بشكل استفزازي بعلم الأنساب، الأمر الذي أزعج الكثير من الناس. ولكنه كان يحتاج إلي اهتمامه بالماضي من أجل أن يجد لنفسه مكاناً في العالم الوليد. نسبه الروحي سمح لنا بفهم القوي التي ناضل ضدها، التي شكّلته. أمضي طفولته في »‬ماوشيتسي» و»‬بودزيخوف» علي أرض بولندا الصغري(١)، في عزبة للإقطاعيين كانت من آثار القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. من جهة الأب انحدر من النبلاء الليتوانيين، المستقرين لعدة قرون في مقاطعة واحدة، وينمّون أساطيرهم الخاصة وعالمهم الخاص، عالم سارماتي(٢)، القرن السابع عشر البولندي. ذهب إلي المدرسة في وارسو، مع أبناء الطبقة الأرستقراطية، وأثّرت ميثولوجيا هذه الطبقة في عقليته. درس، عرضاً، القانون، ولكنه أمضي وقته، آنذاك وفي ما بعد، في المقاهي الأدبية وسط ممثلي الطليعيات المتنوعة الذين أجري معهم مناظرات فنية وفلسفية لا تنتهي.

إنها سلالة روحية بمزيج لا يصدق من التناقضات. علي الأرجح كان لا بد أن يحدث هذا الخليط المتفجر، حتي يتم تشكيل صوت جديد في الأدب البولندي وفي الوقت نفسه يكون راسخاً في الثقافة بقوة. كان أيضاً مطلوباً التقاليد الإقطاعية ويُنظر إليها من خلال عقلية معاصرة وناقدة، كان مطلوبا الميثولوجيا السارماتية المرتبطة بالاهتمام بالطليعيات، كان مطلوباً الأسلاف الليتوانيون  من أرض »‬ميتسكيفيتش»(٣)، كان مطلوباً الطفولة في ريف بولندا الصغري، أرض »‬كوخانوفسكي(٤)». كان مطلوبا بالمدرسة  الثانوية بدروس اللغة البولندية في قراءة الشعراء العظام بالأسلوب القديم، الذي سخر منه في ما بعد في »‬فيرديدوركه»، ولكنه ترك آثاراً في الذاكرة والخيال والأسلوب إلي النهاية، كان مطلوباً قراءة الكلاسيكيين الأجانب والروايات الطليعية، والأدب البولندي الرخيص، والفلاسفة، وكتّاب المذكرات، وشكسبير، ومونتين، وباسكال، وغوته، وديكنز، ونيتشه، وأيضاً »‬باسك»(٥)، وميتسكيفيتش، و»‬منيشكوفنا»(٦). كان مطلوباً التدريب غير المثير في المحكمة، كان مطلوباً الساعات التي أمضاها إلي طاولة مقهي »‬زيميانسكا» أو »‬زودياك»، حيث بشكل سلوكه وأسلوب تعبيره أوقع محبي الطليعيات في الاضطراب. كان مطلوباً الأيام الطويلة في بيوت الإخوة، في »‬فسولا» وفي »‬بوتوتشيك»، اللقاءات مع الجيران الإقطاعيين، الذين حاول أن يزعجهم بهجومه علي التقاليد البولندية، وأيضاً اختلس النظر بإعجاب إلي تصلب أسلوبهم وهوسهم اللغوي، كان مطلوبا كل ذلك، سلسلة التناقضات والتعارضات المستحيلة التي لا تزال تتفاعل لإنشاء عمل يتناول مسائل العهد المعاصر المهمة بأسلوب جديد وراسخ في التقاليد تماماً. وكان مطلوباً شخصية استثنائية من ِشأنها أن ترتب هذه التحديات المتضاربة في نموذج معقول، وتستخدمها وفقا لاستراتيجيتها الداخلية. وأخيراً كان مطلوباً – كيف نسمي هذه القوة الدافعة الحميمة؟ – الموهبة، العبقرية، الصوت القوي والأسلوب الجديد لصوغ الاكتشافات الخاصة في الكلمات المُحركة، الطويلة الأمد وغير الخاضعة للموضات العابرة.

>>>

كان مطلوباً أن ينظر بنظارة جديدة إلي نفسه في العالم وإلي العالم، وأن يعبر عن ذلك بلغته الخاصة والدائمة، المتأصلة في التقاليد والمرتبطة بتيار قوي. انسحابه نحو نفسه واكتشافه لنفسه في مناطق جديدة وجد تعبيراً عظيماً في الأعمال الأولي لغومبروفيتش، في قصصه القصيرة، التي مثلت ظهوره الأول في المشهد الأدبي، والتي تسمي »‬مذكرات من مرحلة المراهقة»، وخصوصاً في روايته »‬فيرديدوركه». إنما هل هي في الحقيقة رواية؟ إنها علي الأصح حكاية فلسفية، ساخرة، أو ربما مقالة عن الأسلوب، عن الشكل مكتوبة بطريقة أوبرا »‬بوفه» (buffa)، لكنها تلمس أهم القضايا، أو أخيراً، كما وصفها هو نفسه، الكوميديا الساخرة – من نفسه، من المدرسة، من الفن، من الطليعية، من التقليد، من البرجوازية، من الإقطاعيين، من تاريخ الأدب، من نظرية الثقافة، ومن الآخرين.

شاهد أيضاً

مركز “جابر الأحمد الثقافي” ينال جائزة “ميد” العالمية كأفضل صرح ثقافي تراثي في الخليج

فاز مركز جابر الأحمد الثقافي، بجائزة مجلة (ميد) العالمية، كأفضل صرح ثقافي وتراثي في منطقة الخليج العربي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.