أسطورة الأجيال ..بين إثراء الأدب والنيل منه

‎منذ تجاوزت العاشرة من عمري تقريبا؛ بدأت مشاكساتي الطفولية مع إخوتي الأكبر مني. حينما أخذ »الزمن الجميل»‬ في الانحسار، وصرنا نفقد رويدا متعة الحياة الهادئة والبسيطة، مع بدء عصر التكنولوجيا والأعوام الأولي من القرن الحادي والعشرين. كانوا يتعمدون إغاظتي بأنني ابنة ذلك الجيل ولم أعش ما عاشوه. خاصة وأن أخي الأكبر يزيد عمره عني بإثني عشر عاما، والجيل كما اعتدت السماع عنه، فقط عشر سنوات. فأعود لأخي الآخر وأقول أن الفارق بيننا فقط تسع سنوات، إذاَ نحن نفس الجيل، فيقول لي أنا وُلدت في الأعوام العشر التي تسبق أعوامك، أي جيل مختلف. ظللت هكذا ويزيد الأمر معي التباساً وحيرة، إلي أن وقعت عيني مصادفة علي مقولة علمية أثبتتها إحدي الدراسات تقول بأن الجيل ثلث قرن، أي 33 عاما، وهو ما يجعل ثلاثتنا – بلا شك – من جيل واحد، وربما تشاركنا أمي أيضا.

‎أحببت تلك المقولة العلمية، ومعها شعرت بالرضا التام، إلي أن بدأ وعيي يتفتح علي عالم الثقافة الأشمل، ويتطور إطلاعي من مجرد قراءة الروايات والقصص، إلي القراءة عن أصحاب تلك الأعمال الإبداعية، فاصطدمت مرة أخري بفكرة الأجيال. وجدتها متمثلة بشدة مع أدباء الستينيات، لكن كثيرين ممن اقرأ لهم لم أجدهم ضمنه، ولم أفهم حينها في أي جيل يجب أن أضعهم، الذي شهد ميلادهم في الحياة أم في الأدب. حينما علمت أن جيلهم يعني السنوات التي بدأوا الكاتبة خلالها، زادت الصعوبة، فالأمر يحتاج إلي بحث وتقصي للوصول إليه بدقة. بالإضافة إلي أنني لم أعرف، هل يمكن أن أضيف إلي جانبهم كُتابي المفضلين من الأجانب، أم أن الأمر مقتصر علينا في العالم العربي؟ أم أنه يخص مصر فقط؟

‎تمر الأيام ولا تجد تلك المسألة إجابة واضحة، وبين عام والآخر تطل علينا دراسة جديدة يتناول فيها أحد الباحثين واحدا من الأجيال، ويتحدث فيها عن فكرة التجييل بتعريف ورؤية مختلفة. منهم من يحسبها بالسنوات العشر، ومنهم من يضع السمات المشتركة في الكتابة مقياسا، وآخرين تظهر الأجيال أمامهم بالتزامن مع الأحداث الكبري في تاريخ الأوطان.

‎في السطور التالية نطرح الأمر للنقاش بين النقاد والأدباء، المصريين والعرب، بل وأساتذة اللغات أيضا، المطّلعين علي الأدب في مختلف الدول الأجنبية، لنعرف وضع تلك الظاهرة من العالم.

‎ليكن التحول الديمقراطي هدفا للجيل الجديد

‎في البداية يقدم د.صلاح فضل، أستاذ النقد الأدبي، رؤية شاملة لتلك المسألة، شارحا: بغض النظر عن الفلسفات التي قُدِّمت في الفكر النقدي والأدبي عن مدي مصداقية نظرية الأجيال الأدبية وامتدادها الزمني الذي يكاد يجمع الباحثون علي أنه يستغرق ثلث قرن تقريبا، مما يجعل هناك موجة طليعية تبرز في العقد الأول من عمر هذا الجيل، وموجة وسطي تبرز في العقد الثاني، وموجة ثالثة تبرز في العقد الثالث، ثم تأخذ مجموعة هذا الجيل في الانخراط والذوبان في الجيل الذي يليه، بطريقة متتالية. علي الرغم من ذلك فإن الحياة الثقافية المصرية شهدت في العقود الماضية توزيعا آخر لفكرة الأجيال تحددت بعشر سنوات فحسب، فتحدث كثير من الدارسين عن جيل الستينيات والسبعينيات … إلي آخره. لكن ما ألاحظه علي هذا التقسيم الجيلي عدة أمور؛ الأول أنه لا يمكننا أن نزعم بوجود قواسم مشتركة بين أبناء الجيل الواحد غير إكراهات الحياة وضرورات السياسة ووقع الأحداث العامة، التي يشترك فيها جميع المتعاصرين وتنتسب إلي توجهات مشتركة بطموحات تجمع بينهم ومشروعات يلتقون عندها. فمثلا جيل طه حسين الذي وُلِد في نهاية القرن التاسع عشر وبدأ بروزه في الحياة المصرية في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، حمل علي عاتقه مهمة كبري هي الوفاء لمبادئ ثورة 1919 التي كانوا شبابا عند اندلاعها، ورفع راية خطاب النهضة والتقدم الأكاديمي والعلمي والأدبي، وتأسيس عناصر النهضة في هذه الفترة، اشترك معه في هذه المسئولية الكبري العقاد والمازني، ودعمه أستاذ الجيل لطفي السيد، ولحق به في الموجة الأخيرة توفيق الحكيم، وناوأه زكي مبارك لكي يقلل من تأثيره ويعلن ثورته عليه. هذا الطموح الوطني والقومي والفكري، العلمي والنهضوي، يمكن أن يعد قاسما مشتركا يصبغ أبناء هذا الجيل بطبع متميز، يتباين فيه عن توجهات الدين المحافظ التي كان يمثلها مصطفي صادق الرافعي، محاولا أن يضع العقاد علي السَّفود، وهو السيخ المحمي حتي درجة الاحمرار فوق وهج النار، لهذه الدرجة كان الصراع بين الفكر التقدمي النهضوي والفكر السلفي المحافظ. بينما كان الجيل الثاني الذي حمل لواءه كوكبة الروائيين عندما أخذوا ينفخون في أساليب السرد المختلفة ويجربون أنواعا متعددة منها ذات توجهات استراتيجية متباينة، لكنها في نهاية الأمر تعكس طموحاتهم في تأسيس حياة ديمقراطية تأخذ فيها المرأة حقها في الحياة العامة وتنتشر المبادئ الليبرالية من حرية وديمقراطية، وتنعم فيها مصر بمطالبها الوطنية في التحرير والجلاء والتقدم، هذا الجيل مثَّله يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبدالله، برز فيه نجيب محفوظ باعتباره القامة التي سترتفع من بين كل هؤلاء وتظفر فيما بعد بالاعتراف العالمي وتصبح هي العلامة المائزة لجيل الرواد في القصة والرواية، لا علي النطاق المصري فحسب وإنما علي النطاق العربي أيضا. إذا تحولنا إلي الجيل الثالث الذي نشأ في الثلث الأخير من القرن العشرين سنجد أن الخارطة قد اختلفت، فلم يعد هناك في تقديري رمز واحد يمكن أن يكون هو الذي يوجز في مشروعه وطموحاته وامتداداته الأهداف الكبري التي تشتتت في خضم التناقضات السياسية، حيث شهدت مصر موجة العروبة بقيادة عبد الناصر وتمزقها بأيدي السادات وتجمدها في عصر مبارك، فالجانب السياسي لم يترك طابعه المائز علي أبناء هذا الجيل ولم يسهموا في تشكيله، أما الجانب الإبداعي فقد توزع علي الفنون المختلفة من شعر وسرد ونقد ولم يستطع واحد من أبنائه أن يلخص بطريقة جامعة جوهر القواسم المشتركة بين أبنائه.

‎يوضح فضل دلالة قياس الجيل بثلاثين عاما علي الأقل في الأدب، قائلا: متوسط عمر الإنسان في القرن العشرين كان يتراوح تقريبا من 60 إلي 70 عاما، منهم 20 عاما تمضي في بلاهة الطفولة وعبث المراهقة، ثم 30 عاما هي سنوات الإنتاج الحقيقي حتي يصل إلي سن الخمسين، من بعده يكرر نفسه ويكمل مشروعه، ويكون غيره من الشباب قد ظهروا، ليستلموا منه الراية، وليصبح هو صاحب العصر والفاعل في الجيل.

‎تبلور الفكرة بهذا الشكل لا تنتفي معها أن الإبداع ظاهرة فردية، لكن عندما تتكثف وتتكاثر الأسماء ويلتقون في هدف مشترك في مرحلة ما، يمكن تسميهم بالجيل، إلا أن هذا الهدف هو ما نفتقده حاليا في رأي د.صلاح فضل، يضيف: كانت السياسة المباشرة هي الجامع والمشتت لأدباء الستينيات والسبعينيات، حيث عاشوا موجة القومية العربية، ثم خيبة الأمل بعد النكسة، التي اطفأت الحلم القومي ونزعت الغطاء السياسي عن الجيل المتفائل والمتحمس، ومن ثم أصابتهم بالإحباط والاكتئاب الشديد. كنت أتمني أن يكون حلم الجيل الحالي الذين وُلدوا في الثمانينيات ويبلغون من العمر ما بين 30 إلي 40 عاما الآن »‬التحول الديمقراطي لمصر»، وقد أعطتنا 25 يناير الأمل، لكن علي مستوي الكتابة لا ألمس ذلك، أشعر أنني أؤمن بالديمقراطية وأصر عليها وأجدها الحل أكثر منهم. كنت أتمني ممن نعوا المشروع القومي أن ينتبهوا أن هناك مشروعا أهم وأخطر، لأن بناء الدول العظمي ودخول العصر الحديث، وتحقيق كل الآمال في الحرية والرخاء والازدهار الثقافي والإبداعي، يبدأ بالتحول الديمقراطي، فالحرية هي الأساس لكل شيء. لتكن تلك استراتيجية الأدباء ليسهموا في صناعة المستقبل، ليس عليهم التغني بها، وإنما الإيمان بمفهومها وممارستها في كل ما يفعلون.

‎السياق الاجتماعي يفرض تيارا كتابيا

‎تتفق معه د.أماني فؤاد، أستاذ النقد الأدبي الحديث بأكاديمية الفنون، في أن الفن – فكريا وفلسفيا – ذاتي وفردي جدا، ورغم أنه نقديا يُصعَب القول بأن هناك جيل، لكن السياق الاجتماعي والسياق الفكري والطقس العام في فترة زمنية، يفرض تيارا من الكتابات له نفس السمات الفنية والفكرية، وأحيانا بعض القضايا التي تهم هذا المجتمع، فتفرض تيارا كتابيا، متشابها في الملامح، وهذا ما يجعل الباحثين يطلقون عليه جيل.

‎وتذكر جيل الستينيات كمثال قائلة: كان الهم الأساسي وقتها فكرة القومية العربية والقضية الفلسطينية، وفكرة العدل والحرية، مع المد الناصري وثورة 1952، فوجدوا ذاتهم في حلم واكتشفوا فيما بعد أنه وهم. ثم جاءت فترة السبعينيات بأفكار ما بعد الحداثة والتقوقع علي الذات والنكسة، والانفتاح وذهاب السادات للقدس، فكانت أيضا قضايا ملِّحة تثير الصراع والجدل، فانعكست علي هذا الجيل. تلك القضايا تخص المجتمع، فكان طبيعيا أن تتواجد سمات مشتركة في إنتاج كل المبدعين في تلك الفترة، لأن الهموم مشتركة، لكن ببنيات فنية مختلفة، وهذا ما شكل سماتهم الجمالية في السيتينيات والسبعينيات. كل منهم كانت له سمات كتابية خاصة، تأخذ شكلا مختلفا عند كل مبدع، فالاسترسال السردي عند خيري شلبي مختلف عن الومضة والمشهد واستنطاق الباطني عند إبراهيم أصلان، وعن الحس التاريخي أو الصوفي عند جمال الغيطاني، وعن الواقعية السوداء عند يوسف القعيد، أو الكنسية واللغة الجميلة عند إدوار الخراط، كل منهم كانت له سمة فنية مختلفة.

‎رؤيتان للفكرة.. إحداهما تدعمها والأخري تؤكد فشلها

‎يؤيد د.سيد ضيف الله، الأستاذ في معهد اللغة العربية بالجامعة الأمريكية، تلك الرؤية ولكن بشكل تطوري، لا يقف عند الاختلافات فيما بين المبدعين في نفس الجيل، وإنما بعد تجاوزهم له، فيقول: إذا تأملنا مسيرة كل أديب سنجد أنه متغير ومتطور بطبيعة الحال، في أدواته الجمالية وانشغالاته الفكرية، فبهاء طاهر صاحب »‬قالت ضحي» ليس هو صاحب »‬الحب في المنفي» أو ما تلا ذلك من أعمال. ولو قارنا بينه وبين البساطي سنجدهما متباعدين تماما، رغم أنهما بدءا في نفس الوقت وينتميان لنفس الجيل. فكونهما ستينيين البداية، في سياقات ثقافية معينة، لا يعني أنهما سيكملان هكذا في سياقات ثقافية أخري. هناك ت أثر بحركة التاريخ والكتابة المحيطة به والأجيال المتعاقبة، لأنهم لا يتأثرون بالسابق فقط وإنما باللاحق أيضا.

‎النظرة السابقة تتبِّعها الدراسات الطولية التاريخية، وفي الغالب لا تصل لتأكيد فكرة الجيل، بل تؤكد فشلها في النهاية. إلا أن هناك نظرة أخري تكون معها فكرة الأجيال حاضرة بقوة وصحيحة تماما، يوضحها د.سيد: عند وجود قوة رمزية وسلطة للدولة، وعندما يكون هناك توجه عام لطابع ثقافي محدد، وبالتالي هذا التوجه العام يكون له آثار واضحة علي الأفراد في هذه المرحلة التاريخية، تصبح المشتركات الثقافية بين الأفراد عالية، وبالتالي يسهل تلمس هذه المشتركات بين منتجات الأفراد، مع عدم إنكار وجود فروق فردية، وبالتالي يمكن الحديث عن سمات ثقافية وسمات جمالية مشتركة بين مجموعة من الأفراد ينتمون إلي فئة عمرية متقاربة متأثرين جميعهم بالسياق الثقافي العام، وهذا واضح في مصر والبلاد العربية وفي تجارب عالمية أخري.

‎يستطرد د.ضيف الله: وهنا -أيضا- يمكن الحديث عن قوة الدولة المصرية الثقافية في الستينيات، المتمثلة في المؤسسات والتوجه الواضح من خلال وزارة الإرشاد القومي، والتي استطاعت أن تشكِّل سمات ثقافية تبلورت في إطارها الملامح الجمالية للأدب في هذه الفترة، سواء في الشعر أو في الرواية والقصة القصيرة، وكانت النتيجة صحيحة تماما أن نتحدث عن جيل الستينيات في الأدب. لا أستطيع أن أقول نفس الفكرة عما قبل الستينيات بنفس القوة، ولا عما بعد الستينيات بنفس القوة. ما قبلها لم نكن نتحدث عن جيل الأربعينيات والخمسينيات باعتبارهم أجيالا تتضح بينهم المشتركات الثقافية، وإنما نتحدث بشكل أوضح عن أفراد وليس عن توجه للدولة. عندما ضعفت مؤسسات الدولة، وهذا له جانب إيجابي وآخر سلبي في نفس الوقت، وسلطتها الرمزية في تشكيل عقول المواطنين، وفي القلب منهم الأدباء، وتحديد المسارات الثقافية والجمالية المرغوب فيها والمدعومة إعلاميا، ضعفت فكرة الجيل فيما تلا الستينيات من أجيال. بمعني؛ عند الحديث عن جيل السبعينيات أو الثمانينيات سنجد أننا أصبحنا نتشكك في السمات الثقافية المشتركة بين مبدعيه. لو تكلمنا عن جماعة »‬إضاءة» مثلا سنجد أن حلمي سالم وفريد أبو سعدة وعبد المنعم رمضان وحسن طلب وغيرهم، أخذوا الشعر إلي منحي بعيد عما كان في جيل الستينيات، وأخذوا يشتغلون علي الشكل في حالة تمرد علي التوجه العام السابق، وحالة تمرد علي مؤسسات الدولة. تلك لا تملك نفس قوة فكرة الجيل، هم فقط جماعة منظمة، لأنهم وجدوا بينهم هدف واحد حاولوا أن يعبروا عنه جماليا، لكن القدرات الجمالية بينهم متفاوتة تفاوتا شديدا. كما أنهم لم يكونوا بالقوة التي نعتقدها، لأن تأثيرهم فيمن تلاهم من أجيال لم يكن كبيرا، فقد عاد الشعر إلي ما كان عليه قبلهم.

‎يتطرق د.سيد إلي سُبل تشكُّل الجيل، وهما اثنان، الأول معتاد، يجتمع فيه عدد من الأدباء، بوعي ورغبة، في إعلان مشترك جمالي أو ثقافي بينهم. والثاني لا يكون فيه اتفاق معلن بين مجموعة من الأفراد علي جماليات معينة، وكل شخص يمارس عمله الإبداعي بشكل فردي. وبناء عليه؛ يمكن ملاحظة أن الفكرة كانت حاضرة بقوة مع جيل الستينيات وغير حاضرة بقوة مع جيل السبعينيات، وغير مرئية تماما في جيل الثمانينيات، الذي كان بمثابة جسر عبروا عليه من الكتابة القديمة إلي الحديثة، ثم التجريب والكتابات الذاتية.

‎أما مرحلة الألفية الثالثة فهي، رغم غياب تأثير الدولة، تبلور تجريدي لفكرة جيل جديد في الكتابة، يوضح د.ضيف الله: يمكن أن نتحدث عن سمات مشتركة بين كتابات تكاد تكون مستنسخة من بعضها، يجمعها سياق ثقافي واحد، يمثل الانترنت فيه فاعلا أساسيا، وتساهم الجوائز في تشكيل ملامح الأعمال الناجحة، بالإضافة إلي رسوخ فكرة الذاتية والفردية لا الجماعية، وغياب الدور النقدي بالشكل التقليدي، وانتشار ورش الكتابة الإبداعية التي تنتج نوعا من استنساخ الخبرة. لكن لا يمكن أن نتلمس ملامح جيل وهم يعملون في اللحظة الحاضرة، بل يجب أن يراكم كل أديب ثلاث أو أربع روايات من أعماله، حتي نتفق علي وجود مشترك أو ملامح خاصة به هو كأديب، ثم نقارن بينه وبين آخرين، ثم نكتشف المشتركات أو المختلفات بينهم.

‎ظواهر ترتبط بمجموعة من الكُتَّّاب وليست أجيالا

‎أما د.حسين حمودة، أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، فيتصور أن فكرة الأجيال تحتاج إلي إعادة نظر من جوانب مختلفة، أولها أنه لا يمكن أن يكون هناك جيل جديد كل عشر سنوات مثلا وأن يرتبط هذا الجيل بتجربة جديدة في الكتابة مغايرة لتجربة الجيل السابق عليه. مضيفا: هناك أحيانا بعض الظواهر التي ترتبط بمجموعة من الكُتَّاب في فترة بعينها وتمثل ظاهرة فنية متميزة، لكن هذا يرتبط بجوانب أخري لا علاقة لها بفكرة الجيل، كما هو الحال في ظاهرة كُتاب الستينيات وليس جيل الستينيات، فضمن هذه الظاهرة يمكن أن نجد كتابات لمبدعين سابقين كتبوا في الفترة نفسها ومثلوا جزءا من ظاهرتها الإبداعية كما هو الحال مع اسم إدوار الخراط، الذي كان جزءا من هذه الظاهرة ومن المؤسسين المساهمين في مجلة »‬جاليري 68» التي عبرت إلي حد كبير عن تجربة هذا الجيل. باختصار هناك ظواهر تشبه ظاهرة »‬الثريا»، حيث يجتمع مجموعة من المبدعين والمبدعات علي أبعاد خاصة بظاهرة إبداعية بعينها ولكن هذا لا يتغير كل عشر سنوات ولا يرتبط بجيل واحد من ناحية العمر فقط.

‎الظواهر الثقافية تشبه الطبيعية

‎بينما يأتي رأي د.محمد سليم شوشة، مدرس الأدب العربي بكلية دار العلوم جامعة الفيوم، مختلفا قليلا، ورغم أنه لا يعتقد أن هناك تصورا زمنيا دقيقا للجيل، فقد يكون عشرة أو أقل أو أكثر اتساعا، العبرة بالتقارب والتشابه، لكنه يقول: مقتنع بفكرة المجايلة أو الجيل الذي يبدو أقرب لبعضه في السمات أو النوازع الجمالية أو يبدو متشابها ويحمل السمات الأدبية العامة نفسها مع فوارق فردية بالطبع هي جزء من طبيعة الممارسة الأدبية. والسبب في هذه القناعة قناعة أخري بأن الظواهر الثقافية تشبه الظواهر الطبيعية، ووراء كل جيل خلفية اجتماعية وسياق ثقافي مشترك يصبغ التجربة بنوع من التقارب ويفرض علي المجايلين أنساقا بعينها تكون فاعلة في أدبهم. علي سبيل المثال جيل ما بعد الألفية الثالثة أو ما بعد الانفجار التكنولوجي لابد أن يكون قريبا من بعضه ومتشابها إلي حد كبير في الشواغل والأسئلة ويتأثر بالجديد من التقنيات والمستجدات الشكلية الخاصة بالأجناس أو الأنواع الأدبية التي يكتبونها، مثل النزعة الذاتية في الرواية أو العولمة أو اللغة التداولية في الشعر أو غيرها من السمات، وهكذا. ففكرة الجيل فكرة منطقية والمنهج النقدي الثقافي أو التاريخانية الجديدة يقرون بها باعتبار أن الجيل الواحد خاضع لأنساق ثقافية بعينها بوعي أو بدون وعي وهو ما ينتج قدرا من التشابه أو التفاعل والتحاور والتأثر بين الجيل الواحد.

‎صيرورة أغنت النص المصري وأضافت للخيال

‎يوافقه تماما من الأدباء؛ القاص سعيد الكفراوي، مؤكدا أن الواقع هو من أفرز الأجيال وأفرز شروطا جمالية وفنية لكل جيل، ويضيف: مصر بلد غنية بالتراكم وتاريخ الفنون والآداب، وباطمئنان جدا يمكن الحكم علي هذا الوطن عبر فكرة المجايلة، فلو تأملنا من زمن الدولة المدنية والليبرالية المصرية، زمن تأسيس الحداثة التي واكبت ثورة 1919، سنجد أمامنا جيل المؤسسين في المسرح والسينما والأدب، وكلها كانت بدايات؛ ستوديو مصر، العائدين من البعثات، الاتصال بالغرب لتأسيس فن قصصي جديد عبر المدرسة الحديثة التي كان بها عيسي عبيد ويحيي حقي وطيب الذكر حسين فوزي، ثم يأتي جيل يبدأ من أواخر الثلاثينيات حتي منتصف الخمسينيات مثلا، هو جيل الواقعية المصرية الذي ظهر فيه نجيب محفوظ وفتحي غانم وإحسان عبد القدوس ومحمود السعدني، الجيل الذي واكب متغيرات الحياة المصرية، وعاش شروط الدولة المدنية في سيادة القانون والليبرالية المصرية وتعدد الأحزاب وحرية الرأي، وذلك كان من أغني أجيال الثقافة المصرية والكتابة.

‎يستكمل الكفراوي: بعده جاء شخص ذو أهمية شديدة في تطوير الكتابة وكان الصوت القادر علي سرد الحكايات، وهو يوسف إدريس، حيث كان دولة وحده في كتابة القصة القصيرة، فتسبب في إخفاء جيل الخمسينيات وجني عليه بظله الطاغي، رغم أنه كان يضم صبري موسي وأبو المعاطي أبو النجا وسليمان فياض وغالب هلسا، ونقادهم رجاء النقاش وغالي شكري. ثم كانت حقبة الستينيات الغنية وجيلها الذي شمل كتابها العظام الذين استطاعوا بهزيمة يونيو 1967 أن يكتبوا دفاعا عن روح مصر في مواجهة الهزيمة، وكانوا الصوت الحقيقي للإجابة عما جري في تلك الهزيمة، تواترت المدارس وتتابعت مع جيل السبعينيات والثمانينيات، حتي وصلنا للأجيال التي تكتب الآن. هي صيرورة أغنت النص المصري وأضافت للخيال صورا وإبداعات في مواجهة متغيرات حدثت في مائة عام، هذه الأجيال الآن في أزمة لأن الثقافة المصرية في أزمة، تلوح لنا كأن مشروعها غائب ولا تجد شيئا تقدمه في ظل ما يجري حولها من مسابقات وجوائز وصوت عالي عبر الإعلام، لكن في الأول والآخر المجايلة غني لفعل الكتابة، وجدل بين مدارس تتطور وتضيف إضافة مهمة للكتابة العربية.

‎لا يحكم الكفراوي علي الجيل من خلال الزمن وإنما بما أضافه من قيم جمالية ورؤي فنية تختلف عن الكتابة السابقة في جيل سابق، يوضح: بعد الستينيات جاء السبعينيون، الذين كتبوا في ظل قيم متغايرة، الانفتاح الاقتصادي والتقارب مع العدو وهجرة المصريين وصعود الإسلام السياسي والمتغيرات المادية التي جرت في الواقع، وبالتالي يمكن القول أن القصة القصيرة ابنة الستينيات بينما الرواية هي نتاج السبعينيات، الذي ضم إبراهيم عبد المجيد ومحمود الورداني ومحمد المخزنجي وجار النبي الحلو، وكلهم شكَّلوا وعيا جديدا في الرواية المصرية، ثم الكتابة عبر النوعية مع جيل الثمانينيات، والقصة القصيدة في التسعينيات والألفين، وقد كان لإدوار الخراط دور نقدي شديد الأهمية واكب الكتابة التي جرت بعد الستينيات مواكبة حقيقية ورصد حركة الكتابة فيها، وبغيابه غابت حركة نقد حقيقية كانت موجودة في الواقع.

‎جيل يناير هو الجيل الجديد.. لكن ملامحه لم تتضح بعد

‎يوافق إبراهيم عبد المجيد رأي الكفراوي فيما قاله بخصوص زمن القصة القصيرة والرواية، مؤكدا أن الأولي ستينية، بينما الثانية ظهرت في السبعينيات بشكل أكبر، فيقول: في السبعينيات قلبت سياسة السادات أحوال المجتمع المصري، ومازلنا ندفع ثمن ذلك حتي الآن في المجتمع العربي كله،وقد أثَّرت تلك الفترة في شيئين أدبيا، أولهما ظهور الرواية أكثر من القصة القصيرة، حتي أن كتاب الستينيات الذين كانوا يكتبون القصة القصيرة تحولوا للرواية. والثاني هو ظهور جيل في الشعر، منهم عبد المنعم رمضان وحسن طلب ومحمد سليمان وجمال قصاص، فصنعوا مدرسة مختلفة وغيروا في شكل الكتابة.

‎ويوضح رؤيته لكلمة »‬الجيل الأدبي»، والتي تتفق مع ما سبق، قائلا: لها معنيان؛ الأول تغيُّر كبير في المجتمع الذي يعيش به الكُتّاب، أو حدث كبير يغير من شكله، والثاني أن يظهر مجموعة من الأدباء متقاربين في الكتابة بشكل جديد مختلف عمن قبلهم. تلك الأمور لا تحدث كل عشر سنوات، وإنما مع الأحداث الكبري، فهناك مثلا جيل النهضة مع عصر الخديوي إسماعيل، وتمثل في البارودي وشوقي وغيرهما. ثم ثورة 1919 التي ظهر منها جيل عظيم جدا مثل طه حسين والعقاد ومحفوظ، أخذوا علي عاتقهم تجديد الحياة الثقافية ودفعها إلي الأمام في أفكار جديدة جدا، واستمر ذلك حتي الأربعينيات تقريبا. أما فترة الحرب العالمية الثانية، فرغم أنها أحدثت تأثيرا كبيرا جدا في العالم كله، لكنها لم يواكبها جيل كامل في الأدب بمصر، لأن الصراع كان قائما بين فكرتي الأدب للمجتمع والأدب للحياة، فظهر في هذا الجو شخص واحد لا جيل، هو يوسف إدريس، الذي سرق الصورة من الجميع.

‎يضيف عبد المجيد: الستينيات كانت مرحلة تغير كبير في العالم كله ومن بينه مصر، حيث شهدت هزيمة 67 التي كشفت أشياء كثيرة، وكانت هناك ثورة الشباب في أوروبا، فظهرت كتابات جديدة. فيما بعد ذلك لم يعد يظهر جيلا كل عشر سنوات، والحقيقة ما كان ليظهر لولا ما فعلوه كُتَّاب الستينيات، الذين وضعوا سورا حولهم ليفصلهم عن بقية الكُتَّاب، ليصبح الآخرين من جيل السبعينيات مثلي ومثل عبده جبير ومحمود الورداني والمنسي قنديل، بالإضافة إلي دور النقد في ذلك أيضا، لتسهيل الدراسة ليس أكثر. بعد السبعينيات أصبح المجتمع ثابتا والأحداث فيه قليلة، فظهر جيل الثمانينات ككُتَّاب أفراد وليس مجموعة، ومثله التسعينيات، وحتي الآن، هناك مئات من كُتَّاب الرواية، لكنهم لا يشكلون جيلا، ولا يراعون أثناء الكتابة نقاط معينة يجب أن يتلاقوا فيها. وفي رأيي؛ الجيل الجديد يمكن أن يكون جيل ثورة يناير، لأن هذا هو الحدث الكبير، لكن ملامحه لم تظهر بعد بشكل كبير.

‎تزايد السطحية عبر الأجيال.. ووهم المعرفة

‎يبدو الأمر ملتبسا عند الكاتبة مني الشيمي، حيث تقول: الكُتَّاب الأكثر حداثة في السن لديهم جرأة أكبر علي استخدام التقنيات المتعددة، فعندما اقرأ للشباب أشعر أنهم يصنعون تيارا آخر مختلفا عمن بدأوا في التسعينيات مثلي، لست من كُتَّاب التسعينيات، لكني بدأت في نهايتها ولا أعرف تصنيفي، فقد كانت لدينا قضايا أخري وأسلوب آخر وتقنيات مختلفة. كل مجموعة من الكُتَّاب الأحدث يشكِّلون كتابة جديدة للأقدم، وأحيانا صادمة وغير مهضومة، تبدو غرائبية وأقرب إلي الفنتازية، وتلك صفة تميِّز كُتَّاب كثيرين الآن، لا أصنِّفها سلبا أو إيجابا، لكنني أتحدث عن ظاهرة. وأظن أننا كنا كذلك بالنسبة للأجيال السابقة علينا، حيث أتذكر أن جمال الغيطاني عندما قرأ لي »‬لون هارب من قوس قزح» أخبرني أنه رغم انتمائنا لمدرسة واحدة، وهي الكتابة عن مصر القديمة، إلا أن كتابتي بالنسبة له حداثية، فقط لأنني كنت أستخدم التشظي وتهشيم الزمن، تلك التقنية لم يتناولها كُتَّاب الستينيات، الذين اتسموا بالكتابة الرصينة، والشبيهة بكتابات الأدباء الروس الكلاسيكية أكثر من التجريب. لكني أري أن الأجيال السابقة علينا لديهم ثقافة أعمق، فالتجربة اليسارية التي كان أدباء جيل الستينيات يمتلكونها منحتهم ثقافة عميقة جدا، أما الأجيال الأخيرة، وهذا شيء يدينني شخصيا، لديها ثقافة الأرقام، وكلما تقدم بنا الزمن، تزداد السطحية، بسبب الميديا واللهث وراء »‬لقمة العيش» والبعد عن الثقافة نتيجة ضغوط الحياة اليومية، كل هذا يفقدنا قدرة الإطلاع علي جميع ما يتم إنتاجه، كما أن الانترنت وثقافة جوجل، خلق لدينا وهم المعرفة، من خلال ترسيخ قناعة بالقدرة علي المعرفة من خلال الضغط علي زر البحث في جوجل، وهو ما يجعلنا نرجئ المعرفة إلي حينها عندما نحتاجها، تلك سمة يتميز بها جيلي قبل الجيل الذي يليني.

‎تقسيم مضلل لا يستفيد منه الكاتب ولا المتلقي

‎علي النقيض؛ تناهض الكاتبة سلوي بكر فكرة الأجيال، وتختلف تماما مع رأي الكفراوي بأنها غِني لفعل الكتابة، وإنما – من وجهة نظرها – تمثل خطورة حقيقية، فتقول: فكرة الأجيال تسطيح لفهم الأدب ووظيفته، تُحدِث احترابا وهميا في الحياة الثقافية وتخلق صراعات نحن في غِني عنها، خاصة أن مساحة الثقافة والأدب في حياة الناس ليست واسعة، وهذا يمكن أن يضلل القارئ ويدخله في غياهب معارك وهمية تزيِّف وعيه.

شاهد أيضاً

محمد حسن عبدالله بين النقد الحديث و«الحداثي»

صدرت حديثا طبعة جديدة من كتاب «مداخل النقد الأدبي الحديث» للدكتور محمد حسن عبدالله، أستاذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.