أنور الكندري يكتب: حركة التحرر من الخصوصية ـ الجزء الثاني

لم يعد يعرف ما هو شكل الإنسان ذو الهوية الإفتراضية بعد ما تآكلت معاني الخصوصية في حياته. فهي أكثر من تواصل إجتماعي. فالذات التي كانت مغمورة في عالمها الخاص المحدود بين الأهل والأصدقاء أصبح لها هوية إفتراضية، وتلك الهوية يتم ربطها بهوايات وتخصصات واهتمامات وتطلعات. فتبدأ الذات هنا بإعادة تعريف نفسها من خلال ما تم توثيقه في شبكات التواصل العالمي. فتبدأ المنافسة بإبراز الذات ك bio أو سيرة أو لحظات يومية يتم توثيقها كجزء من النشاط اليومي للفرد الذي يمثل نمط الحياة الخاص به وما يسمى بال lifestyle. فهذا النوع من الإتجاه يأخذ منحى تدريجي للوصول إلى خصوصية الفرد، فمن لا يملك ما هو مميز ليقدم نفسه للعامة، لابد من التعويل على الحياة الخاصة ليستطيع أن يصنع لنفسه تعريف خاص به: فهو شيء يشابه الهوية، ولكنه ليس بهوية، هو شيء أقرب لصورة غير محددة الأبعاد لذلك لا يمكن للخاص أن يبقى خاص، فلا حدود تؤطر تلك الصورة.

يلاحظ من هنا أن الذات الخاصة فقدت الشعور بالإحراج، والإحراج هو حالة توتر تنتج لفعل خاطئ أمام الملأ أو بسبب ظرف خاص غير متوقع عرضه للعامة. ونتيجة لذلك يتولد نوع من الإدراك يكون فيه تعطيل للجهاز الذي يحدد ما هو ملائم وغير ملائم للعامة، وعلى أثر هذا تتلاشى مضامين الخصوصية للإنسان، فلم يعد هذا النوع من الإحراج القديم منطقي بعد الآن. وبعدها يتطور الإنسان الذي كان يرى في نفسه ذات مقدسة إلى ذات عارية للناس. فالعالم يمارس انكشاف الذات بشكل متفاوت وهنا يرتفع سقف التحرر عند العامة ليتقلص سقف الخصوصية.

إن إنكشاف الذات وانتقالها من المقدس إلى العاري المنكشف للعام، هي عملية تسييل للثوابت القديمة وتذويبها للإندماج مع الفضاء العام، فالفضاء العام فضاء متشابه الكل يبدو كالكل والمتميز يبدو كأي متميز والتافه يبدو ككل التافهين، فأغلبهم يقدم حياته الخاصة للناس. ويمكننا أن نعرف الإنفتاح على العام (بالحرية الإعتمادية)، فهذا النوع من الحرية تكسب الذات وجودها من خلال مراقبة الناس لها والتفاعل معها واستنكارها أو استحسانها. وبالتالي تكون الذات قد تحررت من الثابت القديم إلى أن وقعت في مصيدة أعين الناس فهي لا يمكن أن تتصرف بحرية تامة لأن الجو العام دائما مُراقب، ومن المعروف سيكلوجيا أن ما يقع تحت الرقابة يفقد تلقائية التصرف، وهذا يجبر الشخص إلى مزيد من التصن

وأما الإنغلاق في الخصوصية فيأخذ شكل (حرية إستقلالية/إعتمادية)، ففي هذا النمط من الحرية تتجلى الذات بصورتها الحقيقية وتأكد وجودها من خلال عفويتها بممارسة نشاطها دون الإعتماد على الآخر، بل بتفاعل مع الآخر لأن ذلك الآخر مألوف ومعروف لها. والحرية (الإستقلالية/الإعتمادية) تكون أكثر تركيبا من (الحرية الإعتمادية) المحضة فهي تتقلص كلما إبتعد الفرد عن محيطه ليكون أقرب إلى ذاته، فما يفعله عند أصدقاؤه يتحاشى إظهاره لدى أسرته، وما يمارسه مع أسرته مختلف عن ما يمارسه مع نفسه، فالذات هنا متعددة وفق طبيعتها المركبة لأنها تأخذ شكل متشابك (استقلالي/اعتمادي)، فهي معتمدة على “تفاعل الصديق معها” ولكنها مستقلة عن “حكم الناس والصديق عليها” ، لأن العامة لا تتفاعل مع ذات الآخر بقدر ما تحاكمها فهي ذات غريبة عنهم.

ولذلك الذات تفقد خصوصيتها حينما تمارس نشاطها للعامة، فهي رهن مجموعة المحاكمات التي تكون إما بالسلب أو الإيجاب وهذا أهم ما يغذي الأنا لدى الإنسان وبموجبه يتعزز الشعور بالنقص وعدم الإكتفاء لدى الفرد. ومن هنا الذات تفقد تركيبها الثقافي الإنساني المتميز حينما تنصاع لحكم وتفاعل العامة.

فعلى سبيل المثال حينما يقوم شاب بحضن والديه ليظهر محبته لهم أمام الملأ في “السناب جات”، يكون قد سبق ذلك الفعل نية: كنية أنه يحبهم فقط، ولو كان كذلك، مادخل الناس بهم؟ أو ربما تكون نيته أنه يريد أن يراه الناس وهو يحضن والديه ليؤكد صورة أنه رجل صالح، أو لعل نيته لتذكير الناس ببر الوالدين. فكل هذه النوايا غير صادقة لأن الفعل لم يكن مجرد خالص للوالدين فهو أشرك نوايا أخرى معه، فلا يبدو أن هذا الحب في تلك اللحظة كان صادقاً، لأنه يترقب رأي عام دون أن يشعر بذلك وعادةً هذا ما يكون سلوك غير واعي بوجود ضغط من الأنا عليه ليثير العامة فيحظى بتوكيدات منهم. فهذا النموذج يتكرر بشكل لحظي من خلال توثيق الشخص للحظاته اليومية، وهي لحظات غير صادقة لفقدان الذات طبيعتها الخاصة فهي ذات تحت المراقبة دائما.

ومن هنا تعيش الذات في حالة تزييف دائما لنفسها إلى حد الإغتراب عن حقيقتها، وعلى أثر هذا يصعب على الذات أن تمارس قيمتها الخاصة والشخصية في ظل الضغط الإجتماعي أو ضغط (الحرية الإعتمادية). ويقول عالم الإجتماع باومان عن مارك زكربيرق مؤسس الفيس بوك: “بأن نجاحه كان من خلال لمسه لمخاوف الناس” فالناس بدأت تخاف إن لم يكن لها تواجد افتراضي لتثبت وجودها. فالجميع تجاهل من حوله، فالكل صار يشعر بالوحشة، فقيمته لم تعد تدرك بالتواصل الطبيعي، لأن التواصل الإجتماعي أكثر إبرازا لعدد الأصدقاء وكسب الجماهير وأن سلوك الإستحسان أصبح كمي ورقمي، فبعدد التوكيدات التي أجنيها بالفيس بوك وتويتر وغيرها من الوسائل يزداد تقديري لنفسي وبانخفاضها ينخفض تقديري لنفسي، فهنا تكون ولادة قيمة جديدة ذات طابع فردي أنوي وهي التمحور حول الذات فقط. فالعلاقات تفقد قيمتها الصادقة الروحية لأنها صارت كمية ذات مقياس عددي

ولأن الذات قد تم تعريتها والنظر إلى خصوصياتها تكون قد قتلت ذلك (المقدس الخفي) والقداسة كما عرفناها في المقال الأول أنه الإذعان للقيمة الخاصة لتحضى الذات بتمايز متفرد عن غيرها، وبالتالي إن طبيعة الخصوصية في الذات هي طبيعة ذات ميزة إنسانية متجاوزة للبعد المادي، فطبيعة الذات بأن تكون خفية عن أعين الحاكمين، فهي تتطلع للقداسة دون أن تدري، لأنها تستقل من خلال إعتمادها على التفاعل مع الآخر الخاص المعروف لها وليس الآخر العام المجهول عنها. فالذات العامة لا يمكنها الوصول إلى أي قيمة مشتركة لأنها غير متفاعلة ضمن أشخاص مألوفين ولكن تتفاعل مع وضد أشخاص مجهولين من خلال قتل (المقدس الخفي) لتسوية الذات ودمجها مع الوعي العام حتى تفقد النفس أصالتها وتميزهها وما كان محرم ومستنكر يتلاشى ليتساوى مع ميزان العامة، ومنها تتنهي قداسة الإنسان ويتبدد مفهوم الإنسانية، وتلك هي حركة التحرر من الخصوصية.

دسمان نيوز

شاهد أيضاً

أ. شريفة المطيري تكتب: بكاء جود وأمجاد الماضي

حمد ابو حمد شات الكورة صارت قول ) وبعد كلمة قول الحماسية يفتح الطفل فمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.